الفارس المتوحش

عندما قرر د. إدوارد مورتون أستاذ العلوم الطبيعية تنظيم حملة لاصطياد الأشباح، حرص على أن يشرف بنفسه على كل تفاصيل الخطة، فجهز ما يحتاج إليه من مهندسي تسجيل صوتي وفنيين، بالإضافة إلى بعض خبراء الظواهر العقلية الخارقة.

لقد كان د. مورتون مؤمناً بأن أي ظاهرة تستهدف الدراسة يجب أن تخضع لكل أصول البحث العلمي.. وأنه مع الاستعداد لبذل الجهد المضني الطويل يمكن الوصول إلى نتائج محققة عن هذا الطريق. وفي ربيع عام 1947 قاد حملته لدراسة أغرب الظواهر في حقل الميتافيزياء.

اختار لدراسته منزلاً عتيقاً في منطقة كوتسولدز الإنجليزية الجميلة، يدعى بوتردين هول، يملكه أحد رجال الصناعة.. يمضي أغلب أيامه خارج إنجلترا، كان رجل الصناعة أعلن عن رغبته في بيع المنزل والأراضي المحيطة به، ووافق على أن يجري د. مورتون بحوثه في ذلك المنزل بشرط ألا يتسبب في تخريبه، إلى أن ينتهي من إجراءات البيع.

وكان يُشاع بين الجميع أن البيت تسكنه الأشباح. وقيل إن الشبح الذي يزوره هو (الفارس المتوحش).. الذي كان يملكه قديماً، والذي عاد إليه ثائراً في إحدى الليالي بعد أن خسر أمواله على مائدة القمار، وانتهى به هياجه إلى قتل زوجته الشابة. ويقال إنها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة لعنته، قائلة إن روحه المعذبة ستظل حبيسة هذا البيت ما بقي فيه حجر فوق حجر. وتواترت الروايات بعد موته، عن ظهور شبحه في أنحاء البيت. لهذا، فكر د. مورتون في أن ذلك هو أنسب مكان لإجراء تجاربه.

وفي الحجرة الواسعة بالدور الأول، والمطلة على إحدى الشرفات، والتي قيل إن الشبح يكثر من ارتيادها قام د. مورتون بوضع أجهزته وآلاته.. آلة تصوير سينمائي، أجهزة تسجيل صوتي، مجموعة من كاميرات التصوير الفوتوغرافي على حوامل متحركة يسهل نقلها.

لمدة شهر كامل لم يحدث شيء !.. لكن في الأسبوع الأول من يوليو/تموز، وفي العاشرة مساء بدأت الميكروفونات الموزعة في أنحاء البيت تنقل إلى مكبرات الصوت في الحجرة التي اتخذها مورتون مركزاً له، بعض الأصوات، فأدار أجهزة التسجيل.. كانت أصوات ضحكات.. ووقع خطى كعب مرتفع على الأرض.. وكان أحد أفراد حملة البحث يراقب البيت من الخارج فرأى أضواء تلتمع من نوافذ الطابق العلوي للبيت.

في منتصف ليلة ذلك اليوم، وكل واحد من الباحثين يقف خلف جهازه، ظهر شبح رجل في أحد أركان الحجرة، فأدار آلة التصوير السينمائي، وبدأت آلات التصوير الفوتوغرافي في التقاط الصور المتتابعة. كان الشبح في صدر رجولته، يرتدي ملابس أواسط القرن السابع عشر.. سار بين الباحثين متجهاً إلى أحد الأبواب الذي يؤدي إلى حجرة مجاورة. على الفور قام الباحثون بسحب آلاتهم وأجهزتهم إلى تلك الحجرة، وكان مورتون وأحد الباحثين يتابعان من خلال آلات التصوير السينمائي ما يجري، فشاهدا ما لا يصدق!..

على أرض الحجرة استلقت فتاة شقراء، تبكي بحرقة.. ينتصب فوق رأسها خنجر تقطر منه الدماء، يمسك به الشبح الذي دخل إلى الحجرة. حاولت الفتاة أن تنهض، متعلقة بأطراف ثوب الرجل، لكنه انفلت مبتعداً. بعد أن انتهى المشهد قام د. مورتون بتحميض عينة صغيرة من الفيلم. فظهرت فيها الأجسام بوضوح.

في اليوم التالي غادر البيت متجهاً بسيارته إلى لندن يحمل معه علبة شريط الفيلم السينمائي.. ولكنه لم يكتب له الوصول إلى معمل التحميض.. فلسبب غير معروف، انقلبت السيارة على جنبها، واشتعلت فيها النيران، وعندما وصلت عربة الإسعاف كانت السيارة تحولت إلى كتلة حديد متوهجة وتفحمت داخلها جثة مورتون.... وبين يديه علبة الفيلم مفتوحة وقد التهمت النيران محتوياتها بشراهة.

ومع أن الصور الفوتوغرافية أظهرت جانباً مما جرى، فقد خسرت حركة البحث في الظواهر الطبيعية سنداً مهماً ودليلاً أكثر أهمية.

التعليقات

أكتب تعليقك

جميع الحقوق محفوظة | تصميم وتطوير: بلوجرويب © 2011